آخر الأخبار

الثلاثاء، 9 أغسطس 2016


من النشأة الدينية إلى العمل الدعوي ثم السقوط في مستنقع السياسة

محمد فتح الله غولن عدو أردوغان الأول


التدين والتأثير والنفوذ، كلها صفات اجتمعت على رجل بعكازه في بنسلفانيا، يزوره الطبيب في كل أسبوع ليقيس ضغطه المرتفع والذي يرفع معه ضغط السياسة في تركيا، أصبح حديث الإعلام والعالم، وصارت شخصية محط جدل الكثيرين، المفكر الإسلامي محمد فتح الله قولن الرجل الذي يؤرق نوم أردوغان الذي وجد منافساً له في الشارع التركي.

ولد محمد فتح الله غولن يوم27  أبريل، عام 1941م بقرية كوروجك التابعة لمحافظة أرضروم شرق تركيا، حيث نشأ محمد فتح الله بين عائلة متدينة و صوفية، وقد عُرف أبوه “رامز أفندي” بتبحره في العلم و الفقه و له وجاهة بين قومه وفي منطقته و حتى على مستوى المحافظة “أرضوم”، و كذلك أمه “رفيعة خانم” المتدينة و التي كانت تؤمن بأن على محمد أن يتعلم القرآن الكريم و علومه، حيث حفظ محمد القرآن و هو في سن الرابعة، و يقال أنه ختم القرآن في شهر واحد، ولأن والده من أهل الوجاهة فبيتهم مقصد للكثير من العلماء وكبار و الشخصيات المؤثرة، حيث أرتبط محمد فتح الله بالدين وعلومه، و في عامه الـ 20 عين إماماً في جامع “أوج شرفلي” في مدينة أدرنه، حيث كانت بداية ارتباطه بالعالم الخارجي.

منهجه:

نشأ محمد فتح الله نشأة صوفية في صغره وكبرت معه حتى صارت منهجاً دينياً ومسلكاً أساسياً في فهمه الديني، وما زالت هذه النزعة تراوده إلى الآن، وقد أخد من الطريقة الماترودية الصوفية الكثير، وكذلك تأثره برسائل شيخه العلامة الكردي سعيد أو بديع الزمان النورسي، فقد جاب التراب التركي واعظاً وداعياً ومزكياً للنفس البشرية، يقربها إلى ربها، وكانت أزمير أولى محطاته للدعوة، ليركز بعدها اهتمامه بشكل أكبر في منطقة الأناضول.
غولن مع بابا الفاتيكان يوحنا الثاني 1990م
لم يقتصر محمد فتح الله على المنهج الصوفي كأيديولوجيا دينة، و إنما زاد عليها فهمه للسيرة النبوية و الفقه و الفلسفة و علوم اللغة و الأدب، وكذلك العلوم الطبيعية مثل الفيزياء و الكيمياء والأحياء و الكثير من العلوم الوضعية التي رأى محمد فيها ضرورة ملحة لمعرفتها، و ما ميز محمد عن غيره من علماء الصوفية تفتحه على النهج الغربي في التفكر في حين أن المدرسة الصوفية تميل إلى الانغلاق على نفسها، و قد خالف أيضاً شيخه بديع الزمان، والذي تشدد في التعاطي مع الغرب، فقد أعتبرها وبالاً و مرض ينخر في الأمة المحمدية و ضررٌ على دينها، ومن الشواهد تلميذه محمد حينما قال متحدثا عن الشريعة “نحن لسنا بحاجة أن نطبق الشريعة في السياسة” و برر ذلك بقوله “معظم ما جاءت به الشريعة يختص بالحياة الخاصة للناس و القليل منها يختص بالحياة العامة”، و بهذا تُعتبر مدرسة محمد فتح الله أكثر قبولاً من غيرها في العالم الغربي، فقد نشرت عنه و عن مدرسته الكثير من الدوريات و مراكز الأبحاث و الدراسات الغربية.

قولن ودهاليز السياسية:


عتبر محمد فتح الله من رجالات الدين الكبار في تركيا، وممن تغلب عليه نزعة التنوير والتصحيح، وخطابه خطاباً مؤثراً، فمن الطبيعي أن تضع الحكومة التركية “العلمانية” العين عليه حينها، وتراقب هذا الرجل المتدين، ومن هنا كانت أول صداماته مع الحكومة دو الطَابع العسكري، حيث قال في أحد جلساته “دائماً ما يأتي الجندي ويأخذني من المسجد إلى مركز الشرطة للتحقيق ويرميني من على السلالم بعد التحقيق ويقول، إنك مجرد إمام مسجد وضيع”.
دبابة في شوارع اسطنبول أثناء الإنقلاب عام 1980م
لم يكن لمحمد فتح الله ارتباط  بالسياسة بشكل واضح، و دائماً ما يصف نفسه و مؤيديه بأنهم “فوق السياسة”، و لكنه على علاقة ومعرفة بالكثير من الشخصيات السياسية الكبيرة، وبطبيعته يرفض الحكومات العسكرية التي عانى منها الكثير، ولكنه أيد انقلاب 1980م باعتبار أنها ستترك له مجالاً لممارسة الدعوة، فحتى ذاع صيته و تجمع حوله السواد، سرعان ما تمت مضايقته و محاربته من قبل العسكر لدرجة جعلته يغادر تركيا عام 1999م إلى بنسلفانيا في الولايات المتحدة ، فقد تم اتهامه بمحاولة تغير المبادئ العلمانية التي تقوم عليها الدولة آنذاك إلى مبادئ تأخذ الطابع الديني.
يعتبر محمد فتح الله رجلاً ذو نفوذ و يقدر أتباعه في تركيا بالملاين، فمن المهم أن يعقد معه رجب طيب أردوغان التحالفات لكونهم يميلون إلى نفس الأيدلوجيا الدينية، فقد دعم أردوغان بسخاء في انتخابات عام 2007م، ولهذا يُعتبر الرئيس أردوغان على علاقة طيبة مع محمد فتح الله، واعتبر الكثيرين بأنه يسير على خطى و مبادئ محمد فتح الله في تعاطيه و تعامله مع الغرب و العلمانيين و العسكر ومبادئ الديمقراطية، لكن سرعان ما تبدل الحال في العام 2011م، ليصبح كلا من أردوغان و غولن عدوين لدودين يتبادلان التهم، فقد أتهم أردوغان غولن بأنه يدير دولة موازية داخل الدولة ما يسمى بـ”جماعة الخدمة” و العمل على تشويه الأداء الحكومي حتى اتهمه بتورطه في انقلاب 2016م، وفي المقابل رد غولن هذه التهم، و أضاف متهماً أردوغان بالفساد و الفشل في إدارة الأزمات، وقد رفعت أنقرة مذكرة اعتقال ضد غولن إلى الولايات المتحدة، وطلبت تسليمه إلى السلطات التركية.
مازال الرجل السبعيني محمد فتح الله حياً خارج التراب التركي، فتحيا مع حياته زوابع السياسية التركية العصيبة، فلم تقف آلاف الأميال حائلاً بينه و بين حضوره في السياسة التركية، لدرجة تجعل الرئيس التركي يذكر اسمه في كل خطاب يوجهه للشعب، فهل ستزول الزوابع بموته؟



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق