آخر الأخبار

الخميس، 25 أغسطس 2016

مضيق بنما...مراحل عصيبة ورقم عالمي في الاقتصاد والاهتمام السياسي
أحد أعظم الممرات الصناعية في العالم، تربط بين المحيط الأطلنطي والمحيط الهادئ وشرق الأمريكيتين وغربها، وكذلك حلقة الوصل لسواحل أفريقيا الغربية وسواحل أمريكا الغربية، ويعتبر عام 1914م تاريخ يكتب بدماء وعرق كل أولئك اللاتينيين السود الذين فقدوا أرواحهم ليربطوا عوالم ببعضها، ويختصروا المسافات والأزمان، ليجعوا من بنما أسماً عالميا يشق له غبار في عالم السياسة والاقتصاد والدبلوماسية كأدق تعبير، وخصوصاً عندما أصبح المضيق تحت تصرف الدولة البنمية نفسها.

تاريخ:
مرت عملية بناء القناة من الفكرة وحتى التنفيذ ونهاية المشروع بثلاثة مراحل تعتبر مفصلاً مهماً وفي نفس الوقت لبنة من لبنات ظهور القناة بحلتها النهائية، وهذه الثلاث المراحل على النحو التالي:
  • الفكرة:
ظهرت أولى الملاحظات من أجل إنشاء قناة بشق البرزخ البنمي في عام1543م، وأمر حينها ملك إسبانيا "وكارلوس الخامس " بدراسة إمكانية بناء مسار تمر من خلاله السفن ليساهم في تسهيل عملية التجارة البحرية من "إسبانيا" غرب القارة الأوروبية إلى "البيرو" غرب القارة الأمريكية الجنوبية وبالعكس، كما يوفر ضغطاً عسكرياً تكتيكياً للإسبان ضد البرتغال
خلال رحلة استكشافية بين عامي 1788 – 1793استكمل كلاً من "أليسااندور" و "مالاسبينا" من خطط بناء القناة لصالح الإسبان، ونظراً لموقع القناة الاستراتيجي والإمكانات المتوفرة فيها لفصل إثنين من أكبر المحيطات في العالم المحيط الاطلنطي والهادي، فقد تمت محاولات لإجهاض فائدة إنشاء هذه القناة بإنشاء خط تجاري بري على يد البرتغاليين لإجهاض الامتياز الإسباني بشق القناة، إلا أن الظروف القاسية في ذلك الوقت كانت العائق الأكبر لفشل المشروع في عام 1700م.
تم اكتشاف الذهب في كاليفورنيا في عام 1849م، الأمر الذي أعطى أهمية كبيرة لوجود القناة لدورها في تسهيل عبور السفن بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، وفي نهاية الأمر تم بناء سكة حديدية في عام 1855م في بنما لتسهل عبورها. وأصبحت هذه السكة هي الرابط البري الحيوي بين بنما ونصف الكرة الغربي، وسهل هذا الأمر من تنقل التجارة بشكل كبير، وكذلك قلل من أهمية القناة مؤقتاً، ولكن في هذه المرحلة حضرت الفكرة على الأقل.
  • المحاولة:
بدأت أولى المحاولات لبناء القناة عن طريق ما كان يعرف آنذاك بمقاطعة كولومبيا على بنما في 1 يناير 1881م، أي أنها كانت تخضع للنفوذ الكولومبي، وقد تم تصميم مشروع القناة ليكون على مستوى سطح البحر، وكان تحت قيادة "فرديناند دي ليسبس" الذي قام ببناء قناة السويس بتمويل كبير ودعم من باريس في ذلك الوقت. وقد نشأت فكرة شق القناة لصعوبة الوصول إلى المناطق المدارية. وأدى إفلاس فرنسا في ذلك الوقت بفشل المشروع، فقد قامت بدفع 287 مليون دولار لبناء القناة، وخسرت أكثر من 22 ألف شخص كانوا يعملون في بناء القناة بسبب الأمراض المنتشرة، مثل: الملاريا والحمى الصفراء والانهيارات الصخرية، حيث قلل هذا العدد الضخم من الوفيات من وجود القوى العاملة ذات الخبرة، مما سبب الكثير من المشاكل في استمرار العمل، وكذلك عانى الفرنسيين أثناء بناء القناة من فساد الإدارة المالي وكذلك الفساد السياسي.
كل هذه التراكمات جعلت من الشركة المكلفة ببناء القناة بأن تعلن إفلاسها في 15 مايو من عام 1889م، وترتب على ذلك نشر ما سمي بفضيحة بنما، وحوكم العديد من المسؤولين في المشروع الذين أتهموا باختلاس الأموال المخصصة في بناء القناة، وكان على رأسهم "تشارلز دي ليسبس" وكذلك ابنه "فرديناند" وتم الحكم عليهم بالسجن خمسة سنوات، حيث نقضت فيما بعد، وفي العام 1894م قامت شركة فرنسية أخرى تسمى" Compagnie Nouvelle du Canal de Panama " بتولي مشروع بناء القناة إلا أنها فشلت فيما بعد، ولكن نستطيع أن نقول بأن في هذه المرحلة تراكمت كلاً من الفكرة و المحاولة لتنفيذ المشروع و خسرت أمام الطبيعة البنمية الصعبة و الفساد السياسي و الإداري لتمهد معها للمرحلة الثالثة القادمة لبناء القناة.


  • البناء:
قام مجلس الشيوخ الأمريكي بمناقشة مجموعة من الآراء حول رغبة الولايات المتحدة ببناء قناة تخترق الجنوب الأمريكي لتسهيل نقل البضائع التجارية، اختلفت الآراء في المجلس بين بناء قناة جديدة في  ممر "نيكاراغوا" المائي أو الاستحواذ على مشروع ممر بنما المائي الذي لا يزال فاشلاً وتحت عهد الفرنسيين، وفي العام 1902م صوت مجلس الشيوخ الأمريكي على اختيار المشروع البنمي السابق. حيث قامت وزيرة الخارجية الأمريكية "جون هاي" ووزير الخارجية الكولومبي "توماس هيران" في 22 يناير من عام 1903 بتوقيع معاهدة "هاي هيران" الذي يُمكن للولايات المتحدة من استئجار القناة مع إمكانية التجديد وللأبد، وتمت المصادقة على هذه المعاهدة من قبل مجلس الشيوخ الأمريكي في يوم 14 مارس 1903م، ولكن رغبة مجلس الشيوخ أكبر من مجرد استئجار للقناة، فقد كانت تريد الهيمنة على المشروع بالكامل، ومارست الضغط على السفن الكولومبية بمنعها من التحرك في الممرات البحرية الأمريكية، ولقاء ذلك قامت الحكومة الكولومبية بتوقيع اتفاقية جديدة باسم "هاي بوناو فاريلا"، والتي قامت بمنح الحكومة الأمريكية حق بناء القناة وإدارتها لأجل غير مسمى، وانتزع المشروع من الفرنسيين لصالح الولايات المتحدة، وبدأت مرحلة البناء حتى انتهت عام 1914م، وقبل الافتتاح حصلت انشقاقات أرضية للقناة عام 1915م، بحيث تم تأخير الافتتاح حتى العام 1920م.


حول القناة:
  • طريقة عملها:
توجد في قناة بنما ثلاثة أطقم من حجرات تمتلئ بالماء تعرف باسم "الأهوسة " وهذه الأهوسة تعمل على رفع السفن وخفضها من مستوى إلى آخر. بنيت هذه الأهوسة على شكل أزواج لكي تمكن السفن من المرور في كلا الاتجاهين في نفس الوقت، ويصل طول الهويس الواحد 300م وعرضه 34م وعمقه 20م أما أبعاد الهويس تحدد عن طريق حجم السفن التي بوسعها استخدام القناة، لذا استوجب استخدام أنظمة ومراكز تحكم خاصة يرتفع قاعها أكثر من 26 م عن مستوى سطح البحر، ولا تمر من خلالها إلا السفن ذات الأبعاد المحددة طولاً وعرضاً، فناقلات النفط التجارية العملاقة أو حاملات الطائرات العملاقة التابعة للأسطول الأمريكي لا تستطيع المرور من خلالها.


  • الأهمية:
تبحر السفن من الشواطئ الأمريكية الشرقية إلى الشواطئ الأمريكية الغربية قاطعة أكثر من 20 ألف كيلومتر، من خلال الالتفاف في أقصى القارة الأمريكية الجنوبية بالقرب من القارة القطبية الجنوبية في الذهاب والإياب، وقد تم تقليص هذه المسافرة إلى أكثر من النصف بحوالي 8 آلاف كيلومتر بعد بناء المضيق الذي يقع في خاصرة الأمريكيتين في بنما على الخليج الكاريبي.
معظم شركات النقل في الأمريكيتين وشرق آسيا وأستراليا تستخدم المرر للتبادل التجاري بين أربع قارات، وهي غرب أوروبا والأمريكيتين وشرق آسيا، فتمر من خلال القناة أكثر من 30 سفينة يومياً، ويقدر العدد الإجمالي بأكثر من 14 ألف سفينة سنوياً، والذي يدر على بنما الصغيرة المليارات، مما جعل القناة تشكل العمود الفقري في الاقتصاد البنمي، وازداد الرقم البياني للاقتصاد البنمي عندما قامت بتوسعة القناة وفتح القناة الجديدة التي تستوعب السفن الكبيرة من ناقلات النفط والغاز المسال والقطع البحرية الكبيرة.


  • الجدوى الاقتصادية:
يصل متوسط مدة عبور السفينة 10 ساعات للسفينة الواحدة، ويتحكم المنفذ بما نسبته 5% من حركة التجارة في العالم، وتأتي في الترتيب الثاني بعد قناة السويس بنسبة 7.5 من التحكم التجاري. يبلغ متوسط عدد الحاويات 5 آلاف وتصل إلى 13 ألف حاوية بعد التوسعة لاستيعاب الناقلات الكبيرة التي لم تكن تستوعبها القناة سابقاً، وتوفر 30 ألف فرصة عمل، وبلغ متوسط الدخل السنوي العام 1.8 مليار دولار، وليس غريباً أن تحصد بنما المركز الأول في السعادة لعام 2014م ولعام 2012م.

بنما والسياسة العالمية:

بنما البلد الصغير جداً والذي يملك موقعاً استراتيجيا مهما، يعتبر حلقة وصل بين قارات العالم شرقاً وغرباً، وركيزة مهمه من ركائز الإزهار التجاري لكثير من دول العالم التي تعتمد على الممر لتقليص المسافات المكلفة جداً، ولزيادة قوة الروابط التجارية، ويُعتبر أي تطوير للممر تطوير لاقتصاديات الدول التي تعتمد عليه، ومن الطبيعي جداً أن تجد بنما نفسها أمام كبريات الدول العسكرية والاقتصادية والتي تحاول أن تجد لنفسها متكأ للاستفادة من هذا الموقع الكبير في البلد الصغير.


بداية بناء الممر الذي كان نتاج رغبات دول عظمى تنافست على بنائه وكانت الحاجة الملحة عسكرياً واقتصادياً بامتياز، منذ الوجود الإسباني الذي يريد قهر التجارة البرتغالية والوجود العسكري في البيرو، وكذلك عندما أتى الفرنسيون الذي أرادوا الاستفادة من العائدات المالية وما سترتب عليه من حضور عسكري في المنطقة، ثم تلاهم الأمريكان الذي نجحوا في بناء المشروع، وقاموا بانتزاعه من كولمبيا وإجبارها على جعل المشروع تحت السيطرة الأمريكية بالكامل، حتى قيام الدولة البنمية واستعادت المضيق وإخراج الوصايا الأمريكية منه.


تزداد حدة التنافس بين مضيق قناة السويس المصري ومضيق بنما، وهما المضيقان الأهم في العالم والمتحكمان بربع التجارة العالمية التي تمر من خلالهما، مما يجعل حدة التنافس قوية جداً، فقد قامت كلاً من مصر وبنما بتوسيع عمل مضايقها، حيث قامت مصر ببناء خط آخر لمضيق قناة السويس من أجل التخفيف وزيادة السعة الإجمالية للسفن، وفي الجهة المضادة قامت بنما ببناء ممر مائي آخر ليشمل الناقلات الكبير للنفط والغاز والقطع العسكرية، كخطوة مضادة لمنافستها الرئيسية مصر.


نشرت الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من الشبه التي تقول فيها بأن مضيق بنما غير آمن وأن التوسعة الجديدة غير ملتزمة بالمعاير الأمنية، وأن الأرض معرضة للزلازل، والبناء كان بميزانية ضعيفة، وقد أتت هذه التصريحات كعلامة حنق على تفضيل بنما توقيع العقود مع الشركات الأوروبية على الشركات الأمريكية التي رأتها مكلفة.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق