المعادلات الخمسة لعودة العلاقات التركية الروسية
آمال السياسيين، والحاجة
الملحة، وعراقة التاريخ بين البلدين، والأزمات المتراكمة، كانت كفيلة يأن تجمع بين
الشريكين الروسي والتركي، واللذان اختارا منطق التعقل، وكبت الجراح، ومد اليد حين
الحاجة، والنظر للمصالح القومية للبلاد. فلم يعد دعم المعارضة بصواريخ التاو
مهماً، وكذلك سقوط الطائرة الروسية، أو قصف الأقليات من التركمان في أرياف
اللاذقية، او فتح الحدود لأعداء روسيا في سوريا، مصالح البلدين على الطاولة الآن
في “سان بطرسبرغ”.

صداقة
قديمة = علاقة وثيقة
تعتبر العلاقات الروسيةالتركية قديمة قدم الزمان، أرخها الباحثون بأكثر من 5 قرون للشراكة المتبادلة بين
البلدين، وإن اختلفت التسميات على مر التاريخ لم يختلف معها العثماني والإمبراطوري
الروسي قديماً، والروسي التركي حديثاً، فقد كان عام 1701م أولى الخطوات، عندما
سُمح للإمبراطورية الروسية ببناء سفارتها الدائمة في إسطنبول التركية.
تأزمت العلاقات بين البلدين
في العام 1917م بسبب انضمام الدولة العثمانية للمعسكر الألماني في الحرب العالميةالثانية، وما هي إلا سنوات يسيرات حتى عادت العلاقة إلى مربعها الأول في عام 1920م
بإحياء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، واعتراف الاتحاد السوفياتي سابقا بتركيا
الجديدة عام 1923م، وكذلك اعتراف تركيا بروسيا الجديدة عام 1991م بعد مرور عام
واحد على انهيار الاتحاد السوفياتي حينها.
هناك ما يشبه القرار غير
المعلن بين الطرفين بأن يسند كل منهم الآخر في أزماته، وأن يعطي كل طرف حق الجار
للجار، علاقات لم يقف بينها حلف الناتو حائلاً، ولم تشكل رادارات الإنذار المبكر
وقوات الرد السريع لحلف شمال الأطلسي في تركيا أي معيق بين البلدين وإن تحفظت
روسيا عليها.
مشاريع
مشتركة = علاقات جيدة
· التبادل التجاري
العلاقة الوثيقة والقديمة
بين البلدين من أكبر المقومات والركائز التي قامت عليها العلاقات ، فجعلت التبادل
التجاري بين البلدين كبير جداً، حيث بلغ متوسط التبادل التجاري بين عام 2007 حتى
2010 ما قيمته 25.75 مليار دولار، وقد أزداد هذا الرقم ليصبح حجم التبادل 33 مليار
دولار في العام 2013م، مع توقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن بأن يزيد التبادل
التجاري بين البلدين عن 100 مليار دولار في العام 2023م وفي كافة المجالات.
· الطاقة
تعمتد تركيا على الغاز
الروسي في نحو 57% من وارداتها من الغاز الطبيعي، لتكون روسيا المورد الرئيسي للغاز
الطبيعي الى تركيا وبنحو 3% من الواردات النفطية، ويعد مشروع السيل التركي للغاز
من أكبر المشاريع الروسية التركية، والذي يدر على البلدين الكثير من المال و يرفع
مؤشر الاقتصاد الروسي و التركي، بحيث يعطي تخفيضاً لأسعار الغاز لتركيا و تلعب فيه
تركيا دور الموزع للغاز الروسي من أراضيها إلى اليونان و دول جنوب القارة
الأوربية، فقد أعتبر الرئيس التركي أردوغان المشروع نقلة للاقتصاد التركي والروسي،
ويضاف إلية مشروع المحطة النووية
“أك كويو” في تركيا، حيث ستقوم شركة
روساتوم الروسية ببناء المحطة، ومن المنتظر أن تدخل الخدمة في عام 2019. وقد قال
وزير الطاقة التركي “براء البيرق” بأن تركيا ستصبح الدولة الثانية على مستوى
العالم بعد الصين، والأولى على مستوى أوروبا في إنتاج الطاقة الكهربائية.
·
السياحة
بلغ عدد السياح الروس خلال
عام 2014 ما يقارب من 4.5 مليون سائح من أصل 42 مليون سائح زاروا تركيا خلال
العام، أي بنسبة 12.2 بالمئة من الإجمالي، فتكون روسيا في المرتبة الثانية بعد
ألمانيا بحسب إحصاءات وزارة السياحة التركية، ويضيف للاقتصاد التركي ما يزيد عن 36
مليار دولار.
·
الزراعة والصناعات الخفيفة
تعتبر تركيا من المصدرين
الأساسين في مجال الزراعة والثروة الحيوانية، فقد بلغت القيمة الإجمالية للصادرات
الزراعية والحيوانية 1 مليار و 68 مليون دولار، بينما بلغ صادرات المواد الغذائية
إلى روسيا 1 مليار و 200 مليون دولار .
تعتمد روسيا على الصادرات
التركية في العديد من الصناعات الخفيفة مثل النسيج و السيارات و الماكينات و
المواد البلاستيكية و الملابس و المنتجات الكيميائية بما قيمته 6 مليار دولار،
بحيث تعتبر روسيا من المستوردين الأساسين للغداء التركي.
·
الإنشاءات
تعمل 100 شركة إنشاء تركية
في روسيا، وخلال 25 عام نفذت الشركات التركية 2000 مشروع إنشائي بقيمة 26 مليار
دولار، وقد بلغت قيمة المشاريع المنفذة في عام 2014م 4 مليار دولار أمريكي، وفي
المجال العقاري يعتبر الروس أكبر المشترين للعقارات التركية.
سقوط
الطائرة = منعطف جديد
تاريخ 24 من نوفمبر
عام 2015م، يُعتبر تاريخٌ أسود للعلاقات التركية الروسية، وهو نفس التاريخ الذي
أَسقطت فيه القوات الجوية التركية طائرة سوخوي 24 الروسية، و التي سقطت معها آمال
البلدين حول مستقبل العلاقات بينهما، و التي اعتبرت منعطفاً جديداً في تاريخ
السياسة الروسية التركية، فقد بدأت روسيا حرباً كلامية ضد الطرف التركي لتصبح
حرباً اقتصادية.
فرضت موسكو عقوبات اقتصادية
ضد أنقرة وفي شتى المجالات، فتم تجميد المشروع الغازي “سيل التركي” ومعه المحطة
النووية “أك كويو” والعديد من المشاريع العسكرية بين البلدين، وإيقاف كافة
النشاطات والبروتوكولات العسكرية في البحر الأسود، وتم تقليص النشاط السياحي
وإلغاء اتفاقية التنقل بدو تأشيرة بين البلدين، وفرض الرقابة على المنتجات
الزراعية والغذائية التركية والمنتجات الخفيفة المتنوعة.
أختار الطرف الروسي
الكبرياء على مصلحة بلده، واختار الطرف التركي درء الإهانة على مصلحته الاقتصادية
مع روسيا، فلم يقبل الأتراك الاختراق الروسي الذي وصفوه بالمتكرر، ولم يقبل الروس
إسقاط طائرة الدولة الثانية عسكريا بعد الولايات المتحدة مع نفيهم الرواية التركية
جملة وتفصيلا، ودخلت العلاقات بين البلدين مرحلة ستؤرخ في الذاكرة التركية
والروسية، والكل ينتظر الفرج دون أن تداس الكرامة.
أزمات
متفاقمة = أضرار اقتصادية = البحث عن حل
بدأت حساسية العلاقة
التركية الروسية مع بداية الأزمة السورية، بحيث جنحت روسيا إلى جانب الحكومة
السورية، في المقابل جنحت تركيا إلى جانب المعارضة ومطالب الشعب منذ بداية الأزمة
في سوريا، وقد كانت العلاقات مرهونة بالمتغيرات السياسية والعسكرية في سوريا.
لم تقتصر محنة الطرفين على
الأزمة السورية فقط، فقد كان لكل طرف العديد من المشاكل، بعضها أرتبط بالملف
السوري، فقد كان من نصيب تركيا توتر العلاقات مع الدول المجاورة، والاتحادالأوروبي، والمعارضة التركية والأكراد، وإحياء العمليات العسكرية في الشرق التركي ضد حزبالعمال الكردستاني، وقضية اللاجئين السوريين، والعمليات الإرهابية في المرافق
السياحية والمطارات التركية، آخرها
عملية الانقلاب الفاشلة والتي اتهم بها فتحالله غولن صراحة.
هناك العديد من المشاكل في
الجانب الروسي ومنها: الحرب في أوكرانيا ودعم المعارضة، وضم جزيرة القرم التي
إضافت أعباء للحكومة الروسية، وكذلك الدرع الصاروخية في بولندا والعقوبات
الاقتصادية الأمريكية، والانتشار العسكري لحلف شمال الأطلسي على الحدود وزيادة
الوجود المسلح.
تأثر الاقتصاد الروسي والتركي،
وتراجعت العملة في الدولتين، وزاد التضخم، وتراجعت معها مؤشرات السياحة، بسبب
التهديد التي تمارسه الجماعات المتشددة ضد الدولتين، جعل الكل يبحث عن انفراجات
لإعادة العلاقة إلى سابق عهدها، فكانت الانفراجة في تاريخ 25 يوليو عام 2016م،
عندما أعلنت الحكومة الروسية وقوفها ضد الانقلاب التركي الفاشل، والذي جعل الحكومة
التركية تهرع إلى روسيا، بحيث قلبت روسيا الخطوة التركية، وأجتمع الطرفان في “سانت
بطرسبرغ” الروسية، و على مستوى الرؤساء، بحيث يصبح كل طرف جاداً في إعادة التطبع
مع الآخر.

انتشار أمني للجيش الروسي في القرم
المدفعية التركية أثناء قصفها لمواقع الأكراد
في مطار منغ العسكري في حلب بعد أن سيطرت
عليه من المعارضة السورية
![]() |
| انتشار أمني للجيش الروسي في القرم |
المدفعية التركية أثناء قصفها لمواقع الأكراد
في مطار منغ العسكري في حلب بعد أن سيطرت
عليه من المعارضة السورية
|


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق